الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

تزين المرأة وحكم الشرع فيه


      




يهدف الإسلام إلى تكوين مجتمع مسلم متماسك مترابط يسوده الأمن والأمان، بعيدًا عما يثير الفتن التي تزعزع كيان أي مجتمع وتضعفه، ولأجل هذا أمرنا الله تعالى بتشريع كل ما يحفظ على الرجال أبصارهم، وعلى النساء أعراضهم، بإخفاء زينتها عن الأجانب
قال تعالى:
} وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو أبنائهن او أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعًا أيُّهَ المؤمنون لعلكم تفلحون{  )النور:31(
      والمراد بقوله تعالى :" ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" ما ظهر منها: أي ما تتزين به المرأة خارجًا عن أصل خلقتها كما هو معروف في لغة العرب، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شىء من بدنها، كقول ابن مسعود ومن وافقه: إنها ظاهر الثياب لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم اضطراري .
ضوابط زينة المرأة:
       أباح الإسلام للمرأة أن تتجمل وتتزين، لكن ضبط هذه الزينة بضوابط بحيث تكون مقبولة شرعا، وتلبي فطرة المرأة، وتناسب أنوثتها. ومن هذه الضوابط:
1-    ألَّا تكون للتغرير والتدليس أو لتغيير خلقة الله:
خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، فمهما سعى الإنسان في تجميل وتغيير صورته وهيئته، وجعلها أفضل من الهيئة التي خلقه الله تعالى عليها فلن يستطيع، بل سيجد أنه شوه هذه الخلقة التي هي غاية الإتقان، قال: }لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ { )سورة التين : 4)، لذلك حرم الإسلام أي عمل فيه تغيير لخلق الله تعالى، ألَّا يكون للتغرير والتدليس: كوصل الشعر أو استعمال باروكة أو تركيب أسنان صناعية، لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:
( جاءت امرأة فقالت : يا رسول الله إن لي ابنة عريسا ، أصابتها حصبة ، فتمرق شعرها ، أفأصله ؟ فقال : لعن الله الواصلة والمستوصلة. (رواه مسلم في صحيحه، 2015، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجات والمغيرات خلق الله1020،ح 2125)،  وكذلك حكم الوشم، ونمص الحواجب، والمتفلجات اللائي يجعلن فلجة بين أسنانهن للتزين، وقد استدل المحرمون لذلك بقوله تعالى على لسان الشيطان: } وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا{ (النساء: 119).


2-    ألَّا يكون فيها تشبه بالرجال:
لقد خلق الله تعالى الإنسان – الذكر والأنثى – على فطرة ارتضاه لهما، فلا يجوز أن تترجل المرأة ولا أن يتخلى الرجل عن رجولته
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسولُ اللَّه  صلَّى اللَّه عليه وسلَّم اْلمتشبهِين من الرجالِ بِالنِّساء واْلمتشبهات من النِّساء بِالرجالِ (رواه البخاري في صحيحه، 2002، كتاب اللباس، باب المتشبهون بالنساء والمتشبهات بالرجال، 1485، ح 5885)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا قال: لعن النَّبِي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المخنَّثين من الرجالِ، والمترجلات من النِّساء. (رواه البخاري في صحيحه، 2002، كتاب اللباس، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت، 1485، ح 5886)، والعرف هو الذي يحدد كل ما يخص الجنسين.
3-    ألَّا يقصد بها التشبه بالنساء الكافرات:
لا يجوز للمرأة أن تتزين بزينة فيها تشبه بالكافرات، فقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم« من تشبه بِقومٍ فهو منهم » وعليه فإذا أرادت المرأة التزين عليها الابتعاد عن التشبه بالكافرات، خاصة وهم معادون للمسلمين، ويقاتلوننا في الدين، حيث قال تعالى:
}إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {   (سورة الممتحنة: 9(
      فعلى المسلمة الابتعاد عن التشبه بالمعاديات للمسلمين، لئلا تشابههم في الباطن إن قلدتهم في الظاهر، وقد تكون مادة التجميل مصنوعة من مادة نجسة كالخنزير، أو غيره، وكذلك قد يكون فيها تقليد عبادة لغير الله، أو شتم للمسلمين أو غيرها، فينبغي للمسلمة أن تراعي عدم تقليد الكافرات مع العلم أن صالون التجميل التي تقوم عليه مسلمة، تستطيع أن تميز بين المواد المباحة و المواد المحرمة في استخدامها، من خلال سؤالها لأهل الذكر، أو مكان الصنع، ومن أمثلة التشبه تدميم الأظافر أي طلاؤها بالمناكير وفيه حرمة حتى لو لم تظهر إلا للزوج او لم تطيل أظافرها وحتى إن كان في الحيض، وذلك لأن علة تحريمها أن بها تشبه بالكافرات، وإن قيل أنها تشبه الخضاب فالرد هوأن الرسول أمرنا بالخضاب مخالفة للكافرين شريطة أن لا يظهر أمام الأجانب، أما المناكير فهو من بدعهم وهديهم الظاهر، كما أن الخضاب خفيف ولا يمنع وصول الماء بعكس المناكير .
5 - ألَّا يكون فيها إسراف وتبذير
إذا كانت المرأة المسلمة تأخذ المباح من الزينة فإنه لا يجوز لها الإسراف في ذلك وإضاعة المال بحيث يبذل في غير فائدة دينية أو دنيوية، وأقبح من ذلك أن يبذل المال في الزينة المحرمة، فترتكب المرأة في هذا محظورين: إضاعة المال و ارتكاب المحرم فعلى المسلم أن يحافظ على المال وألا يبذله إلا فيما فيه مصلحة له دينية أو دنيوية قال تعالى: }إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا { (الإسراء، الآية: 27)
وجاء الحديث الشريف بقاعدة عظيمة في هذا المجال، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم
« لا ضرر ولا ضرار » فما ثبت أنه خبيث بشهادة النقل والعقل، وما ثبت أنه ضرر بشهادة الأطباء المختصين فإن الشرع يحرمه، عن مغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إِن اللَّه حرم عليكُم عقُوق الأُمهات، ومنعا وهات، ووأْد البنات، وكرِه لكُم: قيلَ وقالَ وكْثرة السؤَالِ، وإِضاعة المال" (رواه البخاري في صحيحه، 2002، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر، ح 5975(
6 - ألَّا يكون في التجميل ضرر:
تحدث القرآن الكريم عن أصل ثابت في شريعتنا الإسلامية وهو تحريم الخبائث وإباحة المحرمات قال الله تعالى:
}الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {( الأعراف: 157)
والخبائث فيها ضرر للإنسان محقق، حيث يستقذرها الذوق السليم العام للناس في مجموعهم، وإن استساغها أفراد منهم، فالله نهى أن يضر الإنسان نفسه، فإذا كان في مادة التجميل ضرر فيحرم على المسلم استخدامها،لأن الله يريد صلاح الإنسان وعدم الإضرار به، أما إذا كانت من الطيبات التي لا تسبب الإضرار للإنسان فإنها تكون مباحة، فقد تستخدم المرأة مادة تؤدي إلى زوال الشعر عن رأسها على المدى البعيد،أو أن تؤذيه أو تضر جلدها وبشرتها، وفي هذا إضرار بجمالها، فلا يسمح لها شرعا أن تستخدمه.
7-    ألَّا تتعارض هذه الزينة مع نص شرعي:
سواء آية قرآنية أو حديث شريف، وذلك كإطالة الإظافر لتتناسب مع طلاء المناكير والبديكور للرجل مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل تقليم الأظافر سنة  في حديث :خمس من الفطرة الاستحداد والختان وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظافر ( رواه الترمذي في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في تقليم الأظافر، 538،ح 2756)، والحكمة من قص الأظافر هي منع تجمع الأوساخ التي هي مظنة وجود الميكروبات الضارة التي يسهل انتقالها بالأيدي لمزاولة شئون الطعام والشراب،  ومنها أيضًا وصل الأظافر بأظافر صناعية أطول وأكثر بريقًا من الطبيعية، وهو من تلبيسات إبليس على النساء الذي توعد بالغواية وفيه مخالفات عدة، منها:
1-    تشبه بغير المسلمين.
2-    وصل ما لا يجوز وصله.
3-    التغيير من خلق الله.
4-    فساد وضوء وصلاة من ترتدي هذه الأظافر.

حكم اتخاذ الطيب والاكتحال للنساء:
        ومن أكثر أخطاء النساء  انتشارًا  التطيب بالطيب، وهو من مظاهر الزينة المباحة للنساء شريطة ألّا تظهره أمام الأجانب، دل على ذلك حديث عن أم عطية عن النبي صلى الله عليه وسلم: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب" (رواه البخاري في صحيحه، كتاب الحيض، باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، 86، ح313)، وبذلك دلَّ على جواز  التطيب والاكتحال في غير أيام الحداد، شريطة عدم إظهارهما أمام الأجانب لأنهما زينة، والدال على حرمة إظهار التطيب أمام الأجانب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا، يعني زانية" ( رواه الترمذي في سننه، 2015، كتاب الأدب، باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة، 542ح 2786)
شروط زي المرأة التي يجوز الظهور به أمام الأجانب:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" رواه مسلم في صحيحه، 2015، كتاب اللباس والزينة، باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، 1021، ح 2128)


















نساء كاسيات عاريات أي يلبسن ضيق أو شفاف أو قصير، فهنّ كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة، مميلات مائلات أي يدعون غيرهم إلى الفساد ومنهم من فسرها بلبس الكعب العالي لأنه يجعل المرأة تمشي متمايلة، ورؤسهن كأسنمة البخت أي تنصيب رءوسهن فيجمعن عليها أشياء ضخمة تكبرها، مثل الصورة الآتية: 

مواصفات الزي الشرعي:
تتمثل مواصفات الزي الشرعي في الآتي:
1-    أن يستوعب جميع بدن المرأة: وقد أجاز الرسول عليه الصلاة والسلام إرخاء ذيول أثواب النساء لهذا الغرض في حديثه صلى الله عليه وسلم :" من جر ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرًا، فقالت: إذًا تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه".(رواه الترمذي في سننه، 2015، كتاب اللباس، باب ما جاء في جر ذيول النساء، 360، ح 1731).
2-    ألا يكون الثوب زينة في نفسه: لقوله تعالى: }  ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها{
( النور:31) أي لا يكون الثوب مزركشًا، أوعليه صور أو منقوشًا.
3-    أن يكون غير شفاف: ولا يصف حجم عظامها أي يكون فضفاضًا.
4-    ألَّا يكون مبخرًا أو مطيبًا.
5-    ألَّا يشبه لباس الرجال.

أسئلة التقويم:

1-    وفقًا لما ورد في الدرس ،قارني بين هاتين الفتاتين تبعًا لالتزامها لمواصفات الزي الشرعي

2-     اشرح الآية الآتية:
} وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو أبنائهن او أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعًا أيُّهَ المؤمنون لعلكم تفلحون{  )النور:31(
3-    ما علة تحريم كلٍ من:
تدميم الأظافر، إطالة الأظافر، وصل الشعر، لبس البنطال
4-    ما الدليل على تحريم كل من:
 نمص الحواجب، التطيب عند الخروج، الاكتحال عند الخروج.
5-    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 
"صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"
استنتج من الحديث أخطاء تقع فيها النساء عند لباسهن.
6-    ما أوجه الشبه والاختلاف بين الخضاب وطلاء المناكير وحكم كل منهما.
7-    اذكر دليلًا من القرآن أو السنة على جواز إرخاء ذيول النساء.
8-    ضع علامة (√) أو علامة (×) أمام العبارات الآتية:
أ‌-       يجوز خروج المرأة بالكحل.   
ب‌-  يجوز طلاء المناكير على الأظافر في فترة الحيض.
جـ- يجوز التطيب للمرأة شريطة ألا تظهره أمام الأجانب.
دـ-  يستحب التزين للزوج.
هـ-  يجوز وصل الشعر للمرأة إذا كان لمرض مثل: الصلع.
9-    اكتب رسالة إلى أختك المسلمة بعنوان : " احذري".


التحرش الجنسي وإعجاز التشريع الإسلامي في محاربته






قال تعالى:
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ{ (التحريم:6)
        بيَّنَ االله عز وجل  الحلال والحرام ونهى عن كل ما يقربنا للحرام أو للفواحش ومنها الزنا، ومقدماته من كلمة أو نظرة أوما شابه، وغلَّظ سبحانه وتعالى في العقوبـة  سواء كان المرتكب رجلًا أو امرأة ، ووقايةً من انتشار الظاهرة، لزم دراسة حكم الشرع فيه.
أولًا مفهوم التحرش الجنسي:
 هو كل ما يصدر من شخص لآخر, دالاً على الرغبة في فعل الجنس المحرم, ويشكل تجاوزًا للدين والأخلاق العامة والأنظمة".
شرح التعريف:
1-     كل ما يصدر: ليشمل الإشارة والقول والفعل والكتابة وإصدار الأصوات ونحوها.
2-    من شخص لآخر: ليشمل الذكر مع الذكر, والذكر مع الأنثى, والأنثى مع الأنثى, والأنثى مع الذكر, صغيرًا كان أو كبيرًا.
3-    في فعلٍ دالٍ على الرغبة الجنس المحرم: ليشمل مقدمات الزنا أو الاغتصاب أو اللواط أوالسحاق, من إشارة أو قول أو فعل أو كتابة أو صوت محرم.
4-    ويشكل تجاوزًا للدين والأخلاق العامة والأنظمة: فعل الجنس المحرم يصدق عليه أنه تجاوز للدين وللأخلاق العامة والأنظمة, وبذلك يصلح أن يكون هذا التعريف للدول التي لا تحكم الشريعة, فما كان عندها تجاوز للأنظمة فهو تحرش.
ضعف الوازع الديني السبب الأكبر وراء التحرش الجنسي:
        تتعدد الأسباب في التحرش الجنسي منها ما يعود للمرأة وعدم التزامها بالزي الشرعي أو زينتها والتبرج، أو سلبيتها حينما تتعرض للتحرش دون الإبلاغ، ومنها ما يعود للأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة والفقر وعدم تيسير الزواج، ومنها للتفكك الأسري أو المجتمعي، ومنها دور وسائل الإعلام الذي قد يكون سلبيًا، إلا أن السبب الأكبر هو ضعف الوازع الديني والبعد عن القيم والأخلاق؛ لأنه إذا كان الوازع الديني قويًّا لن تؤثر الأسباب السابقة، فالذي يستشعر وجود الله في السر والعلانية لا يضعف أمام هذه المغريات.
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن" (رواه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب الزنى وشرب الخمر،2002،1677،ح 6772)

       وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم الجلوس في الطرقات وإن كان لابد فله آداب لو التزمنا بها لما حدث تحرش جنسي كما نسمع، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يارسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه" قالوا: وما حقه؟ قال:" غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر"( رواه مسلم في صحيحه، 2015، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن الجلوس في الطرقات، وإعطاء الطريق حقه، 1018، ح 2121)
إعجاز التشريع الإسلامي في محاربة التحرش الجنسي:
أولًا: العقوبات الرادعة:
لقد فرض الإسلام العقوبات المشددة لمنع الزنا والتحرشات الجنسية، ولمنع خوض الألسنة في أعراض المحصنات ولردع الذين يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، كل ذلك مع التخويف بعذاب الآخرة، وقد جعل الله حد الحرابة لمعاقبة كل من سوَّلت له نفسه سفك الدماء وسلب الأموال وهتك الأعراض والتحرش بالنساء يتضمن إفسادًا في الأرض متضمنًا قطع الطريق  للتحرش بها أو إسماعها ما تكره، ذلك يكون جريمة حرابة متكاملة الأركان، ولذا فإنه يرد في حق المتحرشين بالنساء العقوبتان الدنيوية والأخروية الواردتان في قول الله تعالي:
{إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }             (المائدة: 33)
و ذلك لقطع دابر هذه الجريمة من المجتمع. 
-        والقارئ لسورة النور يجدها تذكر عقوبة الزنا، فيقول تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كل واحدِ منهما مائة جلدة)
وعدم الشفقة بهم }وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إنْ كنتُم تُؤْمِنُون بِاللهِ واليومِ الآخِر{ وذلك لتحقيق العدالة ولإصلاح الجاني, و ألا يكون تعذيبهم خُفية بل يحضره الناس }وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {, وذلك لكي يتحقق غرض العقوبة الرئيس في الإسلام وهو الردع، فعندما يرى الناس عقوبة الزنا يعتبرون، وإنما اشترط أن تكون الطائفة من المؤمنين حتى تسري عقوبة الزاني كما أمر الله فتشهد الطائفة بعدد الجلدات فلا تزيد ولا تنقص وألا يتهاون الجلاد ولا تأخذه بهم رأفة، وعقوبتهم في الدنيا عدم الزواج إلا بزانية }الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ{ (المؤمنون، 3).
-         وقال تعالي في عقوبة خوض الألسنة في أعراض المحصنات قال تعالى:
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ( النور: 4)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور:19)

ثانيًا: الوقاية من خلال تربية النفوس على العفة:
      تشيع الشريعة الإسلامية نور العفة بين الناس لكي تحول بينهم وبين الوقوع في الشهوات والعقوبات، فدعت إلى الابتعاد عما يوقع الإنسان في حفرة الشهوات، في قوله تعالى:
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{  (النور: 21)
وذلك عن طريق بعض التوجيهات مثل:
1-    أمرت الشريعة الإسلامية بغض البصر لأهميته في كبح جماح الشهوة، وحثت على ستر المرأة لزينتها حتى لا يفتن بها الرجال،وفي مقابل كف النفس عن إشباع الغريزة الجنسية بالحرام، فيقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ )) ( رواه البخاري في صحيحه، 2002، كتاب النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم، 1293، ح 5066)
2-    منعت الاختلاط بين الرجال والنساء، قال تعالى: }وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا{ (الأحزاب:53)
3-    حرم الله الخلوة بالمرأة الأجنبية، فقال صلى الله عليه وسلم: " إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو قال الحمو الموت، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان.( رواه الترمذي في سننه، 2015، كتاب الرضاع، باب ماجاء في كراهية الدخول على المغيبات، 245، ح 1171)

4-    وفي النهاية: شجع المولى تبارك وتعالى على تيسير الزواج ، فقال تعالى:

} وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ (النور: 33).



عقوبة القانون للمتحرشين جنسيًا:


      تنص القوانين على أنه يعد تحرشًا جنسيًا إذا ارتُكِب الجُرم بقصد حصول الجاني من المجنى عليه على منفعة ذات طبيعة جنسية، ويعاقب الجاني بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، فإذا كان الجانى ممن كانت له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارسته عليه أو ارتكبت الجريمة من شخصين فأكثر، أو كان أحدهم على الأقل يحمل سلاحا تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات والغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه.(سليم علي:2018)
   هكذا القوانين تعاقبهم في الدنيا وترتكز على الغرامات، أو في بعض الحالات الحبس سواء سنة أو سنتين أو خمس سنوات، لكن الإسلام يتخذ أسلوب الوقاية أولًا، وإلا كان العقاب خزيًا في الدنيا كجلده أمام الناس جميعًا، ولا يتزوج إلا زانيةً مثله، ليس هذا فحسب، بل لهم في الآخرة عذاب أليم.

أسئلة التقويم:
1-    اشرح مفهوم التحرش الجنسي.
2-    ناقش مع زملائك على منصة الإدمودو أسباب انتشار ظاهرة التحرش الجنسي والسبيل للتصدي لها.
3-    وضح كيف يقي الإسلام النفوس من التحرش الجنسي ويعفها؟
4-    اذكر آية توضح عقوبة الزنا في الدنيا والآخرة ؟
5-    لم أمر الله سبحانه وتعالى أن تشهد طائفة من المؤمنين عذاب الزناة، ولماذا لم يقل طائفة من الناس، وخصها بكلمة "المؤمنين"؟
6-    اكتب مقالًا عن التحرش الجنسي وآثاره على الضحية والمجتمع، مستعينا بشبكة المعلومات وانشره على الإدمودو وناقش زملاءك فيه.

ترشيد الاستهلاك في الإسلام


قال تعالى:
 ((وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ))                  (البقرة:143)

      لقد منح الله الإنسان نعمة التمتع بنعم الله والطيبات من الرزق، وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده »( رواه الترمذي في سننه،2015، 547، ح 2819)، أي يحب أن يتنعم عبده بنعمته ويتمتع بالطيبات من الرزق، فالأصل أن يسد الإنسان حاجته بنعمة الله مادامت تلك النعمة أباحها الله تعالى أو أمر بها، كثرت أو قلت، وليس في ذلك محظور، ما دامت الضوابط الشرعية تتحكم فيها، قال تعالى:

 }قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{ (الأعراف: 32 )

إلا أن المطلوب في استخدام هذه الإباحة في الاستهلاك وسد الحاجة فيها هو القصد والاعتدال والتوسط، فإذا تجاوز الحدود الشرعية كان ذلك إسرافًا، قد ينمو ويكبر فيكون تبذيرًا، فأمرنا الإسلام بالوسطية والاعتدال في جميع أمور الحياة ومنه الإنفاق، وهو ما يُعُرَف بترشيد الاستهلاك.
مفهوم ترشيد الاستهلاك:
        يُعرَّفُ ترشيد الاستهلاك بأنّه الاستعمال الأمثل للموارد والأموال والاعتدال والتّوازن في الإنفاق، والسعي لتحقيق منفعة الإنسان وعدم المبالغة في البذل، وذلك عبر إجراءاتٍ وخطط واعيةٍ توجّه الفرد للطريق الأمثل؛ لتحقيقِ تنمية مستدامة هدفها حفظُ حقوق الأفراد في الحاضر والمستقبل.


أدلة من القرآن والسنة  تحث على ضرورة ترشيد الاستهلاك:
     يجب أن يتناسب الاستهلاك مع الحاجة الفعلية للفرد لا أكثر ولا أقل، وإلا يتسبب ذلك خللًا في الحالة الاقتصادية للمجتمع، وقد بين الإمام الغزالي ذلك بقوله: " والمقدار الذي يكسبه ينبغي أن لا يستكثر منه ولا يستقل، بل القدر الواجب، ومعياره الحاجة: والحاجة ملبس ومسكن ومطعم ( الغزالي، 3/ 262)

ولذلك يأمرنا الله تعالى بالترشيد في الاستهلاك وعدم الإسراف أو التبذير في آيات كثيرة، منها قوله تعالى:

﴿(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا))﴿الإسراء: ٢٩ ﴾
وقوله تعالى: ((وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)) (الإسراء:27)
وقوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)) (الفرقان: 67 )

وقوله تعالى: (( يبني آدام خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)) ( الأعراف 31، 32) 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة" (رواه البخاري في صحيحه،2002، كتاب اللباس، 1464، ح 5783)
وقال صلى الله عليه وسلم:«مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (رواه الترمذي في سننه: كتاب الزهد، 469، 2380)
لماذا نهانا الله عن الإسراف والتبذير ؟
لا يأمرنا الله بشىء إلا وكان فيه خير لنا ولا ينهانا عن شىء إلا وكان الإتيان به ضرر، فلقد نهانا عن الإسراف والتبذير، لأن الإسراف حسرة في الدنيا وعقاب أليم في الآخر، وإليك التفصيل: ( زيد الروماني، ب.ت، 22،23)
١- الإسراف خطر على العقيدة: الإسراف يرفع مستوى معيشة الفرد والأسرة رفعا كاذبا يفوق الدخل الحقيقي المستمر، ثم لا تكاد المكاسب الجانبية تزول ولا يبقى سوى الدخل الحقيقي، حتى يلجأ كثير من المسرفين إلى طرق شريفة وغير شريفة لاستمرارالتدفق النقدي وتحقيق المستوى العالي من الإنفاق الذي اعتادوه؛ فتمتد اليد بشكل أو بآخر، فيقعوا تحت وطأة الكسب الحرام، ذلك أن المسرف قد تضيق به أو تنتهي به موارده، فيضطر تلبية وحفاظًا على حياة الترف والنعيم التي ألفها إلى الوقوع في الكسب الحرام.
٢- الإسراف نوع من التسرع والتهور: الإسراف نوع من التهور والتسرع وعدم التبصر بعواقب الأمور، وقد يكون دليلاً على الاستهتار وعدم الحكمة في تحمل المسئولية، وكل ذلك يؤدي إلى وخيم العواقب وسيئ النتائج، فهو يقتل حيوية الأمة ويودي بها إلى البوار والفساد، ويملأ القلوب حقدا وضغينة، ويقضي على حياة الأمن والاستقرار، كما أن فيه كسرا لنفوس الفقراء وبطرا لأهل الغنى
٣- الإسراف ودواعي الشر والإثم: فالسرف داع إلى أنواع كثيرة من الشر؛ لأنه يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويشغلها عن الطاعات، كما أنه يحرك الغرائز الساكنة أو الكامنة في هذه النفس، وحينئذ لا يؤمن على الفرد من الوقوع في الإثم والمعصية. فالشيطان أعظم ما يتحكم في الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: " ما ملأ آدمي وعاءً شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محال، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه
٤- الإسراف وتأثير على البيئة: يعد الإسراف سببا رئيسا من أسباب تدهور البيئة واستنزاف مواردها، وهو وإن كان متعدد الصور والأساليب، إلا أنه يؤدي بشكل عام إلى نتيجة واحدة:إهلاك الحرث والنسل، وتدمير التوازن البيئي  .
مجالات ترشيد الاستهلاك:
يعتبر ترشيد الاستهلاك من أهم الركائز التي تقوم عليها المجتمعات السليمة، وله مجالات كثيرة، منها: ترشيد استهلاك الغذاء، وترشيد استهلاك الكهرباء، وترشيد استهلاك الماء.
1-    ترشيد استهلاك الغذاء:
ممّا لا شكّ فيه أنّ الغذاء من الحاجات الأساسيّة التي لا يُمكن لأي فردٍ الاستغناء عنها، وينفق الشخص معظم دخله على توفير الغذاء له وللمُحيطين به، ولكن في الوقت نفسه هناك الكثير من الإسراف في الاستهلاك؛ مما يؤثّر على الشعوب الأخرى فتحدث المجاعات.





يُعرَّف ترشيد استهلاك الغذاء بأنه: هو استخدام الغذاء بالشكل الأمثل دون هدرٍ بهدف المحافظة على المواد الغذائية لتكون متوفرةً للجميع، وتحتاج عمليّة الترشيد إلى تكاتف جميع أفراد الأسرة معاً لتحقيق النتائج الطيّبة في النهاية.
  •     عدم الاهتمام بالإعلانات التجاريّة عند الذهاب لشراء الحاجات المنزلية وذلك لأن هذه الإعلانات تكون مدروسةً بشكلٍ كبيرٍ لتؤثّر في المستهلك وتجذبه إلى البضاعة حتى لو كانت غير ضروريةٍ، فيتفاجأ الشخص بأنّه قد اشترى الكثير من الحاجات التي لا يستفيد منها أو لا تلزمه.
  •     من الأفضل عند طهو الطعام تحديد الكميات حسب حاجات الأسرة بحيث لا يتمّ إلقاء الفائض في النفايات، كما أنه على الصعيد الفردي لا بدّ أن يضع كل فردٍ كميّةً من الطعام تتناسب مع حاجته فقط.
  •     شراء الخضار والفواكه بكمياتٍ معقولةٍ ولمدّةٍ لا تتجاوز الأسبوع وذلك لأنها قد تفسد قبل استعمالها.
  •   الاستفادة من بواقي الأطعمة، بدلا من التخلص منها .
  •  عند إعداد المائدة يوضع عليها طعام قدر الحاجة فقط، فالإسلام يوجهنا إلى أن اللقمة نعمة يجب المحافظة عليها وصيانتها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها، و لا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدرى في أي طعامه تكون البركة) ( رواه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح ما يصيبها من أذى وكراهة مسح اليد قبل لعقها، 976، ح 2033)
  •     اللجوء إلى شراء حاجات المنزل من المواد الغذائية مرّةً واحدةً؛ بحيث يتم الشراء بالجملة التي تكون سعرها أقل من سعرها بالتفرقة.
  •    شراء المنتجات الغذائية المناسبة للدخل الأسري، فليس من المعقول أن تُنفق أسرةٌ ذات دخل منخفض معظم دخلها على الأطعمة باهظة الثمن وقليلة الفائدة.
  •     معرفة بدائل السلع الأساسية؛ حتى يمكن الاستعانة بها عند اختفاء سلعة أو ارتفاع ثمنها.
 ترشيد استهلاك الكهرباء:
ترشيد استهلاك الكهرباء والماء هو الاستعمال الأمثل لموارد الطّاقة المُتاحة عن طريقِ مجموعةٍ من المُمارسات والإجراءات التي تقود لتقليل استهلاك هذه الموارد مع الأخذ بعين الاعتبار راحة الناس ومقدار إنتاجيّتهم؛ إذ لا يعني ترشيد استهلاك الماء والكهرباء أن يُمنع استخدامها بشكلٍ مطلق، إنّما يعني استِخدامها والإفادة منها بأساليب ذات فعاليةٍ أكبر لتجنّب إهدارها.
 من الطّرق التي تُسهِم في ترشيد استهلاك الكهرباء:
-          شراءُ المصابيح الموفّرة للطاقة الكهربائية واستعمالها عوضاً عن المَصابيح التقليدية، كون المصابيح الموفّرة للطاقة تُنتج إنارةً أعلى على الرّغم من استهلاكها لمقدارٍ أقلّ من الطّاقة.
-          الاعتمادُ على طرق الإنارة الطبيعية خلال أوقات النّهار، وتقليلُ الاعتماد على طرق الإنارة الصّناعية، عبرَ فتح النّوافذ لتمرّ من خلالها الإضاءة.
-         عدم ترك الغرف غير المستعملة مضاءة.
-         الاستغناء عن المدافئ التي تعتمدُ بشكلٍ أساسي على الكهرباء في تدفئة المنزل أو تقليل فترة استخدامها، كونها تستهلك مقداراً كبيراً من الطّاقة الكهربائية.
-         إغلاق الأجهزة الكهربائيّة عند عدم الحاجة إليها، كالتّلفاز والحاسوب.

-          عدم فتح النّوافذ في فترات تشغيل جهاز مُكيّف الهواء؛ تجنّباً لدخول الهواء الساخن من الخارج.

طُرق ترشيد استهلاك الماء:
يُسرف كثيرٌ من الأفراد في استخدام الماء دون وعي بحقيقة قابليّته للنفاد؛ حيثُ تترتّب على نفاد الماء الكثير من الأخطار التي تهدد التنمية الوطنية وحياة الأفراد بشكلٍ مباشر، كما تُسبِّبُ الكثير من الأخطار للبيئة، ولأجل ذلك تنبّهت المُجتمعات لضرورة ترشيد استهلاك الماء وعدم إسرافه، ومن الطّرق التي تُسهِم في ترشيد استهلاك الماء الآتي:

-        
عدم فتحُ مصادر المياه إلّا حين الحاجة الفعلية لها، وإغلاقها حال الانتهاء من استخدامها، وخاصّةً في الممارسات المتعلّقة بالاستحمام والحلاقة وغسل الأسنان.
-         إصلاح الأعطال التي تُصيب مصادر المياه، وخاصّةً مشاكل تسرُّب المياه.
-         استخدام القطع الخاصّة بتوفير المياه، وتركيبها على مصادر المياه.
-         محاولة تقليص مدّة الاستحمام، والحدّ قدر الإمكان من استخدام حوض
-         الاستحمام؛ لحاجته لكميّاتٍ كبيرة من الماء مُقارنةً بالاستحمام دون استعماله.
-          استخدام طرقٍ حديثةٍ في الزّراعة وريّ المزروعات، مثل نظام الريّ بالتنقيط،
 وزرعُ الأنواع التي لا تحتاجُ للكثير من المياه.
-          عدم غسل الخضروات والفواكه تحتَ الماء الجاري من مصدر الماء،
 إنّما غسلها عبر تَعبئة الحوض بالماء.
                                         
أسئلة التقويم:
1-    بين كيف تتفق هذه الآية ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) مع قوله تعالى: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا  إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا).
2-    ما الآثار التي تترتب على الإسراف والتبذير؟
3-    اذكر دليلًا من القرآن ينهى عن الإسراف مع الشرح؟
4-    اذكر حديثًا يحثنا على  عدم الإسراف في الطعام.
5-    اقترح فكرًا لترشيد استهلاك المياه.